المجاعات كسلاح حرب

/, ترجمات/المجاعات كسلاح حرب
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

إعداد: زُليفة زينب بكير- مركز البحوث الإنسانية والاجتماعية INSAMER

ترجمة: إسراء محمد

مراجعة: ماشتة أونالمش

    تعاني العديد من المناطق حول العالم من أزمتين بارزتين هما: الحرب والفقر، ويزداد الوضع سوءًا يومًا بعد يوم، وتعدّ المجاعات هي النتيجة الأهم لهاتين الأزمتين، وتعتبر المجاعات انتهاكًا لحق الإنسان في الحياة التي هي أصل الحرية للفرد[1]، فهي تهدد ما يقرب من عشرين مليون إنسان حول العالم[2]، ويوميًّا يفقد المئات حياتهم أو يمرضون بسبب نقص الغذاء، وفي عام 2016 فقط بلغ عدد متضرري المجاعات قرابة 816 مليون إنسان، ويُمثل هذا الرقم 11% من سكان العالم، وزاد هذا العدد نحو 38 مليون إنسان آخر في العام 2017؛ بسبب الحروب والصراعات الداخلية والاحتباس الحراري[3].

    وكانت المجاعاتُ التي أسفرت عن وفاة الكثير من الأطفال والنساء والرجال قد بدأ استخدامها كسلاحٍ في الحروب بمناطق الأزمات لأسباب عدة؛ فمن خلالها يجري ترهيبُ المدنيين وكسرُ إرادتهم، وتسهيلُ انضمامهم للجماعات المتطرفة، أو يتم ضمان خضوعهم للأنظمة الاستبدادية، فالنظام السوري على سبيل المثال قام بإحكام الحصار حول المدن والمقاطعات الواقعة تحت سلطة المعارضة ومنع إدخال الغذاء إليها لعدة أشهر؛ كي يجبر المدنيين على الاستسلام، وكان من الممكن أن يستمر هذا الحصار لسنوات أخرى، وبهذا تتسبب المجاعات – باعتبارها أداةَ حربٍ غير مكلِّفة مقارنة بالأسلحة – في سقوط العديد من المناطق التي كانت تحت سيطرة المعارضة السورية، ولعل النموذج الأكثر مرارةً هو ما حدث في شرق الغوطة، ففي المنطقة التي كان يقاومُ نقصَ الغذاءِ فيها حوالي 400 ألف مدني؛ لقي ما يقرب من 150 ألف شخص مصرعهم إضافة إلى 527 طفلًا منذ عام 2014[4]، وحدث الشيء نفسه في مدينة تعز اليمنية؛ حيث يفقد المدنيون – وغالبيتهم من الأطفال – حياتهم بسبب حصار الحوثيين[5]، ويحتاج 70% من سكان اليمن إلى المساعدات العاجلة، فهناك ما يقرب من سبعة ملايين شخص معرضين لفقد حياتهم جرّاء المجاعات، أما في شمال شرق نيجيريا التي لم تعانِ من مشاكلَ غذائيةٍ في تاريخها يواجه اليوم 5.1 مليون شخص مشكلة نقص الغذاء نتيجةً للصراعات الداخلية[6].

    ومن هنا لم يكن من الخطأ قطّ أن نقول إن المجاعات والصراعات تتغذى كل منهما على الأخرى؛ أي في حين تؤدي الحروبُ والصراعات الداخليةُ إلى مشكلاتٍ اقتصاديةٍ واجتماعيةٍ ومن ثمَّ إلى حدوث المجاعات والتي تؤدي بدورها أيضًا إلى تعميق المشكلات والأزمات القائمة، وهكذا تستمر الدائرة بإعادة إنتاج حروب وصراعات داخلية جديدة.

    ويضطر الأفراد الذين يواجهون خطر المجاعات الناتجة عن الحروب والصراعات القائمة إلى الهجرة إلى أماكن أخرى، أو التعاون مع الجهة التي تمدهم بالغذاء أيًا كانت؛ أفرادًا أو مؤسساتٍ أو مجموعاتٍ، وهذا هو واقع الأمر في سوريا، فقطاعٌ كبيرٌ ممن يسيطرُ على الغذاء في سوريا واليمن والصومال وجنوب السودان ما هو إلا مجموعاتٌ خارجةٌ عن القانون، لدرجة أن عددًا من المنظمات المدنية غير الحكومية التي ترغب في تقديم المساعادت للأشخاص الذين يواجهون خطرًا على حياتهم هناك لا تستطيعُ تأمينَ وصول المساعدات الغذائية إلى تلك المناطق إلا بإذن من الجماعات المتطرفة التي قد لا تسمح إلا بعد إملاء شروطها، مما يعكسُ خطورةَ الموقف[7].

    على صعيدٍ آخرَ، فإن الجماعاتُ المسلحةُ والحكامُ الديكتاتوريينَ يستخدمون المجاعاتِ في إطار الصراع الداخلي والحرب النفسية، كما تعدُّ الطريق الأكثر فاعلية لتجنيد إرهابيين جدد؛ فمن لا يستطيعون الحصول على الخبز أو أي طعام لمدة أيام وأسابيع أو حتى لأشهر، ومن يجدون صعوبةً في رعاية عائلاتهم وأطفالهم ولا يملكون أية وسيلة للخروج من هذه المناطق، سيصبحون بعد فترة متطرفين وينضوون تحت لواء الجماعات المتشددة التي تعدهم بتوفير الطعام لهم ولأطفالهم وعائلاتهم في اليوم التالي.

    وبالرغم من عدم استطاعتنا القول إن عدمَ كفاية الغذاء هو السببُ الوحيدُ لاشتعال الصراعات الداخلية بشكل مباشر، فإن رغبة القاطنين في مناطق الحرب في حماية أنفسهم وتوفير الغذاء اللازم تتسبب في توسعة دائرة العنف بين المجموعات[8]، وتُشكِّل قضيةُ المجاعات – المفجعة – أزمةً داخل المسار العالمي القائم حاليًّا، وصار من الضروري الآن وقف هذه الحلقة المفرغة المؤدية للمجاعات، لهذا فعلى الدول التي تتبنى واجبات سياسية وإنسانية وقانونية أن تتخلى عن السياسة الواحدة قصيرة المدى، وأن تتكاتف لحل هذه المشكلة، ولن يغدو هذا ممكنًا إلا إذا اتفقت جميع الجهات الفاعلة في النظام العالمي على مبادئ إنسانية وقيم أخلاقية مشتركة[9]، مع ذلك وفي ظل السياسة العالمية القائمة على البراجماتية[10]والعمل من أجل مصالحها؛ فإن اتفاقَ الجهات الفاعلة على مبادئ إنسانية وقيم أخلاقية مشتركة هو احتمالٌ بعيد، مما يشير إلى أن المسار الحالي المثير للقلق بالفعل، سوف يزدادُ سوءًا على المدى البعيد.

    وتمثلُ منظماتُ المجتمع المدني جهةً فاعلةً تلعب دورًا رئيسيًّا في حل مشكلة المجاعات التي تعمق من الأزمات العالمية، ومن هنا يجب على منظمات الإغاثة الإنسانية أن تتعرف بشكل أفضل على الأشخاص في المناطق التي تعاني من مشكلة المجاعة، وأن تعمل على تطوير سياسات الإغاثة وتنفيذها لتلبية احتياجات المنطقة، ومن ناحية أخرى يجبُ التركيزُ على الأسباب الأساسية للمشكلة وبذل الجهود لمنع حدوث مشاكل مشابهة في المستقبل.

    ومن أجل حل مشكلة المجاعات المتكررة في النظام العالمي خلال السنوات العشر الأخيرة، يجب ألا يُكتفى بتلبية الاحتياجات العاجلة للشعوب بل فتح المجال لشعوب المنطقة لاستخدام إمكانياتها، بمعنى أنه على تلك المجتمعات أن تحقق الاكتفاءَ الذاتيَّ لنفسها وتتخلص من الاعتماد على الخارج[11]، ولن يتحققَ هذا إلا بالاستثمارات الاقتصادية المختلفة التي ستُقدم لمناطق دول الأزمات بالإضافة لنشاطات منظمات المجتمع المدني.

    باختصار، على الرغم من مجهودات منظمات المجتمع المدني التي ستنجح في تلبية الاحتياجات العاجلة للمناطق التي تعاني من المجاعات على المدى القريب، إلا أنها لن تتمكن منفردةً من ضمان تحقيق الاكتفاء الذاتي وتنمية المجتمع على المدى البعيد.

_______________

* الدراسة صادرة عن مركز البحوث الإنسانية والاجتماعية İNSAMER، ومنشورة بموقعه الإلكتروني بتاريخ: 29 ديسمبر 2017، بعنوان: “Bir Savaş Silahı Olarak Açlık”، على الرابط: https://bit.ly/2zKNXMQ.

[1]Dr. Ahmet Emin Dağ, “Bir İnsan Hakkı İhlali Olarak Açlık”, İNSAMER, 2014, https://bit.ly/2DizT2u.

[2]Max Bearak, Laris Karklis, “Starving to Death”, The Washington Post, 2017, https://wapo.st/2B4vnU0.

[3]“The State of Food Security and Nutrition in The World, Building Resilience for Peace and Food Security”, Food and Agriculture Organization of the United Nations, 2017, s.vi.

[4]“Doğu Guta’da Savaşın En Acı Sahnesi Yaşanıyor”, AA,https://bit.ly/2z6BbuI.

[5]“Yemenliçocuklar Taiz’deki ‘ablukaveaçlığın’ pençesinde”, AA, https://bit.ly/2B5xSoN.

[6]Levi Maxey, “Starvation Serves as a Weapon for Dictators and Terrorists”, 2017, The Cipher Brief, https://bit.ly/2zbaF3e.

[7]Tim Lister, Barbara Star, “Aid agencies deal with terrorists to reach Somalia’s starving”, 2011, CNN, https://cnn.it/2DDzdWD.

[8]Levi Maxey, “Starvation Serves as a Weapon for Dictators and Terrorists”, Op.cit.

[9]Ahmet Davutoğlu, “The Future of National and Global (Dis)order: Exclusive Populism versus Inclusive Global Governance”, 2017, 21st Century Global Dynamics, https://bit.ly/2PUvj1g.

[10]“البراجماتية: هي مذهبٌ يرى أن معيارَ صدق الآراء والأفكار إنما هو في قيمة عواقبها عملًا، وأن المعرفة أداة لخدمة مطالب الحياة، وأن صدقَ قضية ما هو كونها مفيدةً، والبراجماتي بوجه عام: وصفٌ لكل من يهدفُ إلى النجاح أو إلى منفعة خاصة” المعجم الفلسفي، مجمع اللغة العربية، صفحة 32. [المترجم]

[11]Zülfiye Zeynep Bakır, “Daha Etkili Bir İnsani Yardım Sistemiİçin”, 2017, İNSAMER, https://bit.ly/2zeNlzL.

2019-05-05T13:11:38+00:00ديسمبر 17th, 2018|الإغاثة الإنسانية, ترجمات|0 Comments

Leave A Comment