•  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

تأليف: د. عبد الحق عدنان آديوار

ترجمة: د. عبد الرازق بركات

إنَّ تاريخ العلوم يمثل جانبًا مهمًّا من تاريخ الأمم، ويكشف للدارس حقيقةً العلم وأسراره، لذلك تعُد من الموضوعات المهمة في الكتابات الحديثة، إذ دراسته دراسة لتطور الحضارة والإنتاج الحضاري للأُمم، وعبرُهُ تُقام جسور الوصل بين الماضي والحاضر لمعرفة مسيرة التطور الإنساني وبناء حاضر الأُمم ومستقبلها.

ونحن هنا أمام سِفر جليل، ورحلة سفر طويلة في «تاريخ العلم عند الأتراك العثمانيين» لمؤلفه «عدنان عبد الحق آديوار» الطبيب والسياسيّ والمفكر التركيّ، درس إلى جانب الطبِ؛ الفلسفةً والأدب والتاريخ، وقد ألَّف هذا الكتاب بالفرنسية أول أمْره، ثمّ كتبه بالتركية في حُلة منقحة ومزيدة، وترجمه عن التركية أستاذ اللغة التركية وآدابها د. عبد الرازق بركات عميد كلية الآداب الأسبق بجامعة عين شمس، وقد جاءت الترجمة في لغة رائقة قريبة، ومعبرة عن المجهود الكبير المبذول في كتابة هذا التأريخ النادر.

يتناول هذا الكتاب تاريخ العلم عند الأتراك  في الحقبة العثمانية الممتدة بين القرنين الرابع عشر والتاسع عشر، ويركز تحديدًا على العلوم التجريبية، حيث يناقش حالة العلم عند الأتراك وتطوره، وإسهامات العلماء المختلفة، كما يتطرق أحيانًا إلى العلاقة المتبادلة بين السلطة والمعرفة تقاربًا أو تباعدًا، ولا يقتصر على دراسة الحركة العلمية داخل الدولة العثمانية وحدها؛ وإنما يحاول الكاتب عقد مقارنات بين الحياة العلمية في تركيا في ظل الدولة العثمانية من ناحية والحياة العلمية في الغرب من ناحية أخرى.

وهو كتاب جدير بالاقتناء لتمكن مؤلفه من لغات عدة مكنته من الاطلاع على المراجع المختلفة في زمانه، ومن ثم استطاع توثيق حالة العلم خلال هذه الفترة المهمة من التاريخ، وهو في حقيقته ببلوغرافيا لكنوز المؤلفات وأعلام المؤلفين في العلوم الطبيعية والتجريبية عند العثمانيين، وسياحة بين مكتبات العالم القديم والحديث، متنقلًا بين أعظم ما خطَّه علماء بلاده، وما شتَّته أيدي الزمن الغابرة؛ ما تبقى منه بكليته وما جاءنا عن عظيم ما اندَّثر منه؛ مستشفًا بذلك تاريخ نهضة العلم التجريبيّ وغيره في بلاد العثمانيين، وامتدت تلك الرحلة في ثمانية فصول، حاولنا إعادة تسميتها تسهيلًا على مريدي البحث وبُغية في أفضل عرض لهذا السفر القيم.

الفصل الأول: القرنان الرابع عشر والخامس عشر:

في الفصل الأول – عصر مراد الأول – جاءنا أنَّ شمس العلوم التجريبية أشرقت في سماء مدرسة «إزنيك» التي أنشأها «أورخان بك» سنة (١٣٣٠/١٣٣٢م) بذلك الشعاع المنسكب على صحن تلك المدرسة العظيمة بدأت أولى خطوات الانتقال من الاعتماد على دراسة العلوم النقلية التقليدية إلى التعرف على علوم الطبيعة، فكان القرن الرابع عشر عصر المدرسة الأولى والكتاب الأول عند بني عثمان في هذا الباب، فقد ظهر كتاب «مفردات ابن البيطار» بترجمة شخص مجهول، ويعتقد أنَّه الكتاب الوحيد في العلوم العقلية في تلك الفترة، ويمضي المؤلف في ذكر أعلام هذا العصر الذين اشتُهر من بينهم «قاضي زاده» الذي اعتبره «زكي بك» أول فلكيّ ورياضيّ في الدولة العثمانية، فكان بذلك عصر الأوليات والأفراد، وخطوة نحو إشراق شمس العلم التجريبيّ في كبد السماء العثمانية.

الفصل الثاني: السلطان محمد الفاتح والعلم:

وتُكمل شمس العلوم إشراقها بالفصل الثاني – عصر الفاتح – الذي فتح الله به أحكم ما أغلق في عصره، وأسفرت عن جميل صورتها نتيجة اهتمامه بالعلم والعلماء، وسُمعت في أراضي بني عثمان همهمات طلاب العلم، وتسربلت أشعة شمس العلم على استحياء في بهو قصر الفاتح محب الميتافيزيقا وعلوم اللغات والأديان، وعلت كرسيَّه مضيئةً ساحة مجلسه الذي كان منتدى لعلماء عصره، ومقرًّا لكثير من المناظرات الدقيقة في علم الأديان وغيره، ونشطت حركة الترجمة في عصره، وبُنيت مدارس ومكتبات كثيرة، لا شك أنَّ أعظمها مدرسة الفاتح ومكتبته، التي مثلت حلقة وصل بين القديم والجديد، وبين الأصالة والمعاصرة، فكانت من أعظم صروح العلم النقليّ التقليديّ والعلم التجريبيّ على حدٍ سواء.

الفصل الثالث: نهاية القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر:

وظلّت الشمس بإشراقتها الوئيدة تطلُّ على سماء العلم التجريبيّ في بلاد بني عثمان في الفصل الثالث – عهد بايزيد الثاني – فقد استمرَّ الاهتمام بالعلوم التجريبية بعد الفاتح، وإن كان اهتمامًا أقلَّ من نظيره في أوروبا، وظهر الاهتمام بالتأليف على استحياء، وزاد بناء المستشفيات، وقد لمع تحت شمس العلوم في هذا القرن «بيرم چلبي» أهم عالم فلك ورياضيات في هذا العصر، وهو حفيد «قاضي زاده»، وكذلك «مظفر الدين الشيرازي».

الفصل الرابع: القرن السادس عشر والجغرافية البحرية:

وتخطو الشمس خطواتها في ضحى القرن السادس عشر في الفصل الرابع – عصر القانوني – وتطلُّ بأشعتها فوق مسطحات العالم، وتتسع الدولة ويزيد الاهتمام بالجغرافيا البحرية كأداة مُعينة للجيش على مزيد من القوة والنصر، ويتوقف الاهتمام نوعًا ما بالعلم التجريبيّ الصِّرف تبعًا لتوجه الدولة في ذلك الوقت، إلَّا أنَّ الشعراء قد وجدوا لبحورهم وقوافيهم في قصر القانونيّ متسعًا رحبًا، وسارت أبيات الشعراء جنبًا إلى جنب مع مراكب الاهتمام بالجغرافيا البحرية، ويسطَّع كمنارة بحرية وجغرافية عالم البحر «بيري ريس» صاحب أهم خريطة – آنذاك – للعالم ومؤلف كتاب «البحرية»، وفي ركب أسطول البحر نجد الجغرافيّ والبحّارة «سيدي عليّ بن حسين» مؤلف كتابيّ «مرآة الممالك» بحكاياه الأسطورية عن رحلاته ونِكَاته اللطيفة، و«المحيط» الذي يعتبر أهم كتبه.

ومن البحر نظر العثمانيون إلى السماء بأثر لطيف من إشراقة العلم التجريبيّ ووفرة أخباره القادمة من أوروبا؛ فكان اقتراح بناء مرصدٍ عثمانيّ من المؤرخ «سعد الدين أفندي» في طلب رفعه إلى مراد الثالث، وبُني المرصد وهدم في آنٍ بِناءً على فتوى شيخ الإسلام «أحمد الدين أفندي» فغامت السماء وتوارت أجرامها وكواكبها إلى حين، وقد وجدت في هذا العصر حركة ترجمة للموسوعات الكبيرة عن العربية والفارسية، وكذلك بدأ اختبار الأطباء لمنحهم إذن مزاولة المهنة، وأعدم ثلاثة من كبار علماء هذا العصر فى حوادث مأساوية مؤلمة.

الفصل الخامس: القرنان السابع عشر والثامن عشر وكاتب چلبي:

مضت شمس العلوم في ضحى القرن الثامن عشر في الفصل الخامس – عصر محمد الرابع – كسيفة يكاد ضوؤها يخبو، فقد مثَّل هذا القرن حالة ركود عامة زأر لأجلها دعاة النهضة وشكوا مرَّ الشكوى، واعتمدت الحركة العلمية فيه على النقل والاقتباس والترجمة، ولكن لم يعدم في هذا العصر بارقة أمل، وومضة حياة، فقد ظهر فيه عالمٌ موسوعيٌّ كبير، هو «حاجي خليفة» المعروف بــ«كاتب چلبي» صاحب الموسوعات والتصانيف، وهذا الرجل بتأليفه لكتاب «كشف الظنون» الذي يقول عنه: (إنَّه تاريخ مختصر مفيد للعلم والفلسفة باللغة العربية)،  يُعدُّ أول تركيّ يؤلف مختصرًا عن تاريخ العلم.

الفصل السادس: القرن الثامن عشر والمطبعة:

وفي فصل الكتاب السادس – عصر السلطان أحمد الثالث، والصدر الأعظم إبراهيم باشا – صارت شمس المعرفة في كَبد سماء العلوم العثمانية، وأنارت للمطبعة العثمانية طريقها؛ فبفضل أسعد بن عليّ «إبراهيم متفرقة» ورسالته «وسيلة الطباعة» نشطت روح الصدر الأعظم إبراهيم باشا لإنشاء المطبعة، وقد أفتى شيخ الإسلام بجواز طباعة كتب العلوم العقلية والتجريبية فقط، ولم يجز طباعة علوم النقل والوحي، ولم يطَّبق الصدر الأعظم تلك الفتوى بنسبة كبيرة، وقد بسط رعايته على الحياة العلمية ورجالها، فنشطت حركة التأليف والترجمة، واستمر اهتمام العثمانيين بالجغرافيا، واستمر الطب على حالته التقليدية وإن اشتُهر أمثال «عمر شفائي» كطبيب ومؤلف.

الفصل السابع: الطب والرياضيات في نهاية القرن الثامن عشر:

ويشتد ضوء شمس المعرفة في الفصل السابع – نهاية القرن الثامن عشر – ويزداد ألقها، فقد انتشر العلم في بلاد بني عثمان، وزاد نشاط النهضة العلمية على أثر وقع سَنابك الخيل وأصوات البارود وجريان السفن البحرية، ففي عهد «مصطفى الثالث» نَمت الرياضيات وتطورت تطورًا كبيرًا، وأنشئت مدرسة الهندسة البحرية لتطوير الجيش والمؤسسة العسكرية.

الفصل الثامن: حركات التجديد في القرن التاسع عشر:

في (الفصل الثامن) تجلّى التأثير الغربيّ على الحياة العلمية، واستقدم «سليم الثالث» مدرسيِّ الغرب واهتم بالحياة العلمية اهتمامًا كبيرًا، فأنشأ المهندسخانة السلطانية، التي دُرِّست فيها العلوم التجريبية والعقلية واللغات، وفي هذا العصر أنشئت المطبعة الثانية، وأشرقت أرض بني عثمان بنور العلم.

أخيرًا، فالكتاب يعرض تاريخ العلم عند الأتراك العثمانين في منهج تأريخيٍّ وصفيٍّ، قدَّمه بادئ الأمر إلى المجتمع الغربيّ، ولكننا نرى أنَّ الكتاب كان في حاجة ماسة لخطة زمنية ومنهج تأريخيّ أكثر دقة وأدخل في باب تاريخ العلوم لا الببلوغرافيا، فقد مثّل مادة ثرية جدّا في هذا الباب، ولكنها أثرت على دقة المنهج السردي التاريخيّ فقد اعتمد على ذكر المؤلفات دون ملابسات تطور العلوم والمعارف على وجه الحقيقة.

ومن باب إلحاق الفروع بالأصول فقد كان الكتاب في حاجة إلى فهرسة عميقة ودقيقة تسهل على الباحثين والقرّاء الاستفادة من تلك المادة العظمية، يُذكر فيها مسرد الأعلام والبلدان والمكتبات …إلخ، وكذلك غاب عن الكتاب التقسيم الجيدّ لفصوله وأبوابه، وكفى بعملٍ كهذا أن تعدَّ إيرادات القرّاء عليه، فالكتاب في جملته عظيم الأثر بُذل فيه مجهود عظيم، ومثَّلث الرؤية النقدية للمؤلفات المذكورة داخل متن الكتاب إفادة جليلة على مستويات عدّة أهمها استفادة الباحثين والمحققين في التراث العثمانيّ ومخطوطاته والمؤرخين له منها، وكذلك حقق المترجم بتعليقاته صورة تامة لمعظم ما ورد في هذا الكتاب، وهي تعليقات مشتغل بالتراث التركيّ وأدبه إلى أبعد حد.